الشيخ محمد هادي معرفة

275

تلخيص التمهيد

اعتبرت افتتاح كلّ سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها . ثمّ هو يخفى تارةً ويظهر أخرى ، كافتتاح سورة الأنعام بالحمد ، فإنه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء كما قال تعالى : « وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » « 1 » . وكافتتاح سورة فاطر بالحمد أيضاً ، فإنه مناسب لختام ما قبلها « وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ » « 2 » ، كما قال تعالى : « فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » « 3 » . وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح ، فإنه مناسب لختام سورة الواقعة من الأمر به . وكافتتاح سورة البقرة بقوله : « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ » « 4 » إشارة إلى قوله : « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » « 5 » في سورة الحمد ، كأنهم لمّا سألوا الهداية ، قيل لهم : ذلك هو الكتاب . وتأمّل ارتباط سورة « لإيلاف قُريش » بسورة الفيل ، حتّى قال الأخفش : اتّصالها بها من باب قوله : « فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً » « 6 » . ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة للتي قبلها ( سورة الماعون ) . لأنّ السابقة قد وصف اللَّه فيها المنافق بأمور أربعة : البخل ، وترك الصلاة ، والرياء فيها ، ومنع الزكاة . فذكر هنا في مقابلة البخل : « الكوثر » . وفي مقابلة ترك الصلاة « فصلِّ » . وفي مقابلة الرياء « لربِّك » وفي مقابلة منع الماعون « وانحر » . فاعتبر هذه المناسبة العجيبة . وكذلك مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح ، وسورة الكهف قبلها بالتحميد ، لأنّ التسبيح حيث جاء مقدّم على التحميد ، يقال : سبحان اللَّه والحمد للَّه « 7 » . هذا كلامه المتكلّف فيه تكلّفاً ظاهراً ، ومع ذلك فهو من خير ما قيل في هذا الشأن . أمّا من تأخّر عنه كجلال الدين السيوطي وزميله برهان الدين البقاعي وأضرابهما فقد زادوا

--> ( 1 ) . الزمر : 75 . ( 2 ) . سبأ : 54 . ( 3 ) . الأنعام : 45 . ( 4 ) . البقرة : 2 . ( 5 ) . الفاتحة : 6 . ( 6 ) . القصص : 8 . ( 7 ) . البرهان : ج 1 ص 38 - 39 .